Thursday, August 2, 2018

حياتي جميلة...

حياتي جميلة...

حياتي جميلة...
أمضي نهاري في مقهى بسيط لا يراوده سوى سيئي الحظ والمفلسين... يلعب فيه المدمنون الورق مع الموتى الذين يحلقون ذقونهم بالسبعة الحية... نادلنا سكير وقح... يقبع نائما طوال النهار ولا يهتم بنا... لذلك لا ترى فناجين قهوة أو علب عصير على طاولتنا، إلا بعد طول إنتظار... كل منا يضع قنينة ملفوفة بجريدة تحت معطفه أو يخفيها تحت سرواله ويظل يتجرع سمها... عندما يدخل غريب إلينا يلتفت إليه الجميع ويتوقف الزمان، وتتوقف المروحة القديمة على السقف، ويتوقف المجنون عن الغناء... وينظر إليه ذاك العجوز السكير بعينه الواحدة ويبصق بقايا التبغ من فمه أمامه... لا نريد دخيلا ولا ربطات عنق ولا ماركات غوتشي... رغم الحرارة المفرطة فجميعنا نرتدي معاطف صفراء لبحارة وأحذية بالية... نظل نعاقر الخمر والسجائر الملفوفة إلى أن تبزغ شمس الصباح... فيرحل الأشباح إلى الجبال والموتى إلى القبور والرجل الأصلع يهرب من دون سداد المعلوم، والغربان تطير والسمكة النافقة في حوض الزهور تصبح وليمة للنمل الأحمر، ويتغوط العجوز على عتبة الباب ويستفيق النادل لأخذ الأجر، فيضربه راعي الغنم بعصا زيتون على رأسه فينام مجددا... ويخرج الجميع ولا يتبقى سواي أجلس وحيدا في ذاك الركن أستنشق سجائري المسمومة مستمعا إلى ذاك الراديو... أكتب هذا الهراء وأفكر كيف لي أن أتفادى توبيخ رواد ذلك المقهى... الجميع ينظرون لي بإستغراب وإستهزاء، لا أعلم السبب... ربما لأني مختلف عنهم... لا أتجاذب الحديث مع أي منهم وهذا منافي لقوانينهم... فهؤلاء الحمقى يمضون يومهم في عاعادة التعرف على بعضهم وكأنهم غرباء... كل يوم يجالسون بعضهم يعيدون نفس الهراء والكلام السخيف... في طاولة مجاورة لي يجلس جمع من الرجال الطاعنين في السن... أظن أن أصغرهم في عقده السادس من العمر... يمزحون ويضحكون في صخب... هنا تعجبت... كيف لهؤلاء المسنين الضحك، وكيف للسعادة أن ترسم على وجوههم بكل هذا الوضوح... تسألت كثيرا، الأمر مريب... هذا ليس عدلا عجز تغمرهم السعادة وأنا شاب عشريني في مقتبل العمر يطغو الملل والتشائم على سمات وجهه... هل حصلت معجزة ما وتبادلنا الأدوار!!؟ ماذا حصل حتى إنقلبت الموازين هكذا... يأتي النادل الثمل ليقطع لحظة حيرتي وغوصي في أسئلة بلا أجوبة... ويطلب مني سيجارة... هنا عدت إلى وعيي وكأني كنت في متاهة زمنية، كنت أحلق وعدت إلى الأرض... ناولته السيجارة وحاولت الإنصات إلى إحدى أغانيا المفضلة محاولا عدم التدقيق في التفاصيل السخيفة التي تحدث من حولي... فيا صاح لو تعلم كم هو متعب أن تكون من المهتمين بأدق التفاصيل... ستعي كل شيء من حولك وكل الأسرار التي تمر ببطء في تصرفات البشر... ستفهم الناس وطباعهم النتنة المختبئة تحت أقنعة اللطف والطيبة التي تبدو عليهم... في تركيزك مع التفاصيل ستكتشف شخصيات مغايرة لما عهدته عليهم، وهذا الأمر في حد ذاته قاسي... فكما تعلم، الحقيقة غالبا ما تكون قاسية!!

بقلم آمحمد أمازيغ بنعيم من هنا

حياتي جميلة...

أمضي نهاري في مقهى بسيط لا يراوده سوى سيئي الحظ والمفلسين... يلعب فيه المدمنون الورق مع الموتى الذين يحلقون ذقونهم بالسبعة الحية... نادلنا سكير وقح... يقبع نائما طوال النهار ولا يهتم بنا... لذلك لا ترى فناجين قهوة أو علب عصير على طاولتنا، إلا بعد طول إنتظار... كل منا يضع قنينة ملفوفة بجريدة تحت معطفه أو يخفيها تحت سرواله ويظل يتجرع سمها... عندما يدخل غريب إلينا يلتفت إليه الجميع ويتوقف الزمان، وتتوقف المروحة القديمة على السقف، ويتوقف المجنون عن الغناء... وينظر إليه ذاك العجوز السكير بعينه الواحدة ويبصق بقايا التبغ من فمه أمامه... لا نريد دخيلا ولا ربطات عنق ولا ماركات غوتشي... رغم الحرارة المفرطة فجميعنا نرتدي معاطف صفراء لبحارة وأحذية بالية... نظل نعاقر الخمر والسجائر الملفوفة إلى أن تبزغ شمس الصباح... فيرحل الأشباح إلى الجبال والموتى إلى القبور والرجل الأصلع يهرب من دون سداد المعلوم، والغربان تطير والسمكة النافقة في حوض الزهور تصبح وليمة للنمل الأحمر، ويتغوط العجوز على عتبة الباب ويستفيق النادل لأخذ الأجر، فيضربه راعي الغنم بعصا زيتون على رأسه فينام مجددا... ويخرج الجميع ولا يتبقى سواي أجلس وحيدا في ذاك الركن أستنشق سجائري المسمومة مستمعا إلى ذاك الراديو... أكتب هذا الهراء وأفكر كيف لي أن أتفادى توبيخ رواد ذلك المقهى... الجميع ينظرون لي بإستغراب وإستهزاء، لا أعلم السبب... ربما لأني مختلف عنهم... لا أتجاذب الحديث مع أي منهم وهذا منافي لقوانينهم... فهؤلاء الحمقى يمضون يومهم في عاعادة التعرف على بعضهم وكأنهم غرباء... كل يوم يجالسون بعضهم يعيدون نفس الهراء والكلام السخيف... في طاولة مجاورة لي يجلس جمع من الرجال الطاعنين في السن... أظن أن أصغرهم في عقده السادس من العمر... يمزحون ويضحكون في صخب... هنا تعجبت... كيف لهؤلاء المسنين الضحك، وكيف للسعادة أن ترسم على وجوههم بكل هذا الوضوح... تسألت كثيرا، الأمر مريب... هذا ليس عدلا عجز تغمرهم السعادة وأنا شاب عشريني في مقتبل العمر يطغو الملل والتشائم على سمات وجهه... هل حصلت معجزة ما وتبادلنا الأدوار!!؟ ماذا حصل حتى إنقلبت الموازين هكذا... يأتي النادل الثمل ليقطع لحظة حيرتي وغوصي في أسئلة بلا أجوبة... ويطلب مني سيجارة... هنا عدت إلى وعيي وكأني كنت في متاهة زمنية، كنت أحلق وعدت إلى الأرض... ناولته السيجارة وحاولت الإنصات إلى إحدى أغانيا المفضلة محاولا عدم التدقيق في التفاصيل السخيفة التي تحدث من حولي... فيا صاح لو تعلم كم هو متعب أن تكون من المهتمين بأدق التفاصيل... ستعي كل شيء من حولك وكل الأسرار التي تمر ببطء في تصرفات البشر... ستفهم الناس وطباعهم النتنة المختبئة تحت أقنعة اللطف والطيبة التي تبدو عليهم... في تركيزك مع التفاصيل ستكتشف شخصيات مغايرة لما عهدته عليهم، وهذا الأمر في حد ذاته قاسي... فكما تعلم، الحقيقة غالبا ما تكون قاسية!!







1 comment: